1. مفهوما الطبيعة والثقافة
تقديم
قُدّم في مستهل هذه المجزوءة تعريف أولي للطبيعة والثقافة. لكن التعريف الأولي يكتفي بالتمييز السطحي. يحتاج التفكير الفلسفي إلى الذهاب أبعد: ما الذي يعنيه حقاً أن يكون شيء ما طبيعياً؟ وما الذي يعنيه أن يكون ثقافياً؟ وما الذي يجعل هذا التمييز بالغ الأهمية؟
أولاً: الطبيعة، ما الذي تعنيه فعلاً؟
تحمل كلمة "طبيعة" في الفلسفة معاني متعددة ينبغي التمييز بينها.
تعني الطبيعة أحياناً العالم المادي بمجمله، بما فيه من كائنات وظواهر وقوانين تسبق الإنسان وتتجاوزه. وتعني أحياناً ما هو فطري في كائن ما، أي ما وُلد به ويميّزه عن غيره. ويقول أحدهم "هذا طبعه" أي هذا ما يتصرف وفقه دون تعلم. وتعني أحياناً معياراً للحكم: حين يقال إن شيئاً ما "طبيعي" فكثيراً ما يُراد به أنه مقبول أو سوي. وهذا الاستخدام الأخير خطير فلسفياً لأنه يخلط بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون.
تتميز الطبيعة بأنها سابقة على الإنسان ومستقلة عنه في أصلها، وبأنها تسير وفق قوانين ثابتة لا تتغير بالإرادة، وبأنها مشتركة بين جميع أفراد النوع بصرف النظر عن انتمائهم الثقافي.
ثانياً: الثقافة، ما الذي تعنيه فعلاً؟
تشتق كلمة "ثقافة" في اللاتينية من "cultura" بمعنى الحرث والزراعة. وهذا الأصل اللغوي دال: الثقافة هي ما يُضيفه الإنسان إلى الطبيعة الخام، كما يُضيف الفلاح إلى الأرض الخام عملاً وتنظيماً وتحويلاً.
تتميز الثقافة بأنها مكتسبة لا فطرية، أي أن الإنسان لا يولد بها بل يتعلمها عبر التنشئة الاجتماعية. وبأنها متنوعة ومتغيرة، إذ تختلف من مجتمع إلى آخر ومن عصر إلى عصر. وبأنها رمزية، إذ تنتقل عبر اللغة والطقوس والفن والمؤسسات لا عبر الجينات. وبأنها تراكمية، إذ يبني كل جيل على ما أنجزه الجيل السابق ويضيف إليه.
ثالثاً: لماذا يصعب الفصل بينهما؟
حين تُطبَّق هذه المعايير على واقع الإنسان، تظهر تعقيدات لا يحسمها التعريف الأولي.
يولد الإنسان بقدرة على اكتساب اللغة، لكن اللغة التي يكتسبها ثقافية بامتياز. إذن هل اللغة طبيعية أم ثقافية؟ يأكل الإنسان استجابةً لحاجة بيولوجية طبيعية، لكن ما يأكله وكيف يأكله ومع من يأكل ومتى يأكل كلها محكومة بالثقافة. إذن أين تنتهي الطبيعة وتبدأ الثقافة في فعل الأكل؟
يكشف هذا التداخل أن الطبيعة والثقافة ليستا طبقتين منفصلتين في الإنسان، بل هما بُعدان يتشابكان في كل تجربة إنسانية. وهذا التشابك هو ما يجعل الإنسان حالة فريدة في الوجود.
خاتمة
يُفيد التمييز بين الطبيعة والثقافة لا لأنه يُقدّم حدوداً واضحة ونهائية، بل لأنه يُعلّم الإنسان أن يسأل عن أصل ما يعتقده بديهياً: هل هذا طبيعي أم ثقافي؟ هل هو حتمي أم قابل للتغيير؟ هذا السؤال وحده يمنح الإنسان مسافة نقدية من عاداته وموروثاته ومجتمعه.
الجملة المفتاحية: لا يكفي أن يُعرَّف الطبيعي بأنه ما وُلد به الإنسان، ولا الثقافي بأنه ما اكتسبه، لأن الإنسان يكتسب بطبيعته.