القولة
"إن المساواة الحقة ليست في منح الجميع الحذاء نفسه، بل في أن نُقدم لكل قدم الحذاء الذي يُلائمها."
حلّل مضمون هذه القولة، وبيّن إلى أي مدى تُشكل المساواة المطلقة غاية العدالة، وإلى أي مدى يقتضي تحقيقها الأخذ بالإنصاف.
مقترح التصحيح
أولاً، الفهم (04 نقط)
تحديد موضوع القولة (01 ن)
تتناول القولة موضوع العدالة بين المساواة الشكلية والإنصاف الجوهري، هل تتحقق العدالة بمعاملة الجميع معاملة متطابقة دون اعتبار للفروقات الفردية، أم أن العدالة الحقة تقتضي التمييز في الوسائل مراعاةً للاختلافات الجوهرية بين الأفراد؟
صياغة المفارقة وإبراز الإشكال (02 ن)
تكمن المفارقة في أن منح الجميع الشيء ذاته يبدو في الظاهر أعدل صور المساواة، ومع ذلك تُجزم القولة بأن هذا التطابق هو بالضبط ما يُكرّس الظلم ويُعمّق التفاوت. تبدو عادلة وتصنع الظلم، في آنٍ واحد. ومن هنا يبرز الإشكال: العدالة بين المساواة والإنصاف، هل تتحقق العدالة بالمعاملة المتطابقة للجميع، أم أن المساواة الحقة تستلزم التمايز في الوسائل لتحقيق التكافؤ في الغايات؟
صياغة الأسئلة الموجهة (01 ن)
ما المساواة الشكلية؟ وما الإنصاف؟ وما العدالة التوزيعية؟ وهل يستطيع تطبيق قاعدة واحدة متطابقة على أفراد مختلفين في احتياجاتهم وظروفهم أن يُحقق المساواة الحقة، أم أن العدالة الحقيقية تقتضي التمييز الإيجابي لصالح من تتجاوز حاجتُه ما تُوفره القاعدة العامة؟
ثانياً، التحليل (05 نقط)
تحديد أطروحة القولة وشرحها (02 ن)
تقوم الأطروحة على نقد المساواة الشكلية الرياضية وتجاوزها نحو إنصاف جوهري يراعي الفروقات الواقعية، فالأفراد يختلفون في قدراتهم واحتياجاتهم وظروفهم، ومعاملتهم بالقدر الموحد ذاته تعني في الواقع التعامل مع غير المتساوين كأنهم متساوون، وهذا بالضبط ما يُنتج التفاوت لا المساواة. والإنصاف الحقيقي هو التمايز في الوسائل خدمةً للتساوي في الغايات.
تحديد مفاهيم القولة وبيان العلاقات بينها (02 ن)
تتضمن القولة ثلاثة مفاهيم متشابكة، المساواة الشكلية بوصفها التطبيق المتطابق للقاعدة الواحدة على الجميع بصرف النظر عن فروقاتهم، والإنصاف بوصفه التوزيع المتمايز للحقوق والموارد وفقاً للاحتياج والاستحقاق، والمساواة الحقة بوصفها الغاية التي لا تتحقق بالتطابق الشكلي بل بالإنصاف الجوهري. وتجمع هذه المفاهيم علاقة نفي وتجاوز، المساواة الشكلية تُلغى لأنها تُخفق في تحقيق ما تدّعيه، ويُستعاض عنها بالإنصاف الذي يُجسّد المساواة الحقة التي تكافئ بين نقاط الوصول لا نقاط الانطلاق.
تحليل الحجاج المعتمد (01 ن)
تعتمد القولة بنية حجاجية قائمة على التشبيه القياسي والنفي والإثبات، تُقيس العدالة على الحذاء لتُجسّد التجريد الفلسفي في صورة ملموسة، ثم تبني عليه حجتها بالنفي أولاً للمساواة الشكلية ثم بالإثبات للإنصاف بوصفه البديل العادل.
ثالثاً، المناقشة (05 نقط)
إبراز قيمة الأطروحة وحدودها (03 ن)
تكمن قيمة هذه الأطروحة في تحريرها العدالة من قيد الشكلانية الرياضية الصارمة، فهي تُعيد تعريف المساواة من كونها تطابقاً في المعاملة إلى كونها تكافؤاً في الفرص والنتائج، وتُشجع على سياسات التمييز الإيجابي لتعويض الفئات الأقل حظاً. وهي في ذلك تتقاطع مع رولز الذي رأى أن التوزيع غير المتكافئ لا يكون عادلاً إلا حين يصبّ في مصلحة الأفراد الأقل حظاً.
غير أن هذه الأطروحة تواجه اعتراضاً قانونياً جوهرياً، فالمساواة أمام القانون بوصفها تطبيقاً متطابقاً على الجميع هي الضمانة الأساسية لمنع التحيز وصون الحياد. فإذا تُرك تحديد "الحذاء الملائم" لكل فرد لحكم القاضي أو المشرع فُتح باب الذاتية وصعب تحديد معايير عادلة وموضوعية للتمييز، مما قد يُحوّل الإنصاف إلى محاباة.
فتح إمكانات أخرى للتفكير (02 ن)
يفتح هذا الإشكال أفقاً أرسطياً كلاسيكياً، إذ يرى أرسطو أن الإنصاف هو تصحيح للقانون حين يكون القانون العام قاصراً عن استيعاب الحالة الخاصة. فالإنصاف ليس نقيض المساواة بل مكمّلها حين يعجز النص العام عن إنصاف الحالة الفردية، وهذا يعني أن المساواة والإنصاف لا يتعارضان بل يتكاملان في بنية العدالة الكاملة.
رابعاً، التركيب (03 نقط)
كشفت القولة عن القصور الجوهري في المساواة الشكلية، فمعاملة غير المتساوين بالقدر الموحد ذاته ليست عدلاً بل ظلم مُقنَّع بلباس المساواة. وتبقى قيمة هذا الموقف في انتقاله بالعدالة من مفهوم شكلي مجرد إلى مفهوم ملموس يراعي الواقع الإنساني. غير أن المساواة القانونية الشكلية تظل ضرورة لا غنى عنها لحماية الحياد ومنع التحيز. والعدالة الكاملة تجمع البُعدين، مساواة في الحقوق الأساسية أمام القانون وإنصاف في توزيع الفرص، فالمساواة تمنح نقطة الانطلاق والإنصاف يضمن عدالة المسار.
الجوانب الشكلية (03 نقط)
تماسك العرض، سلامة اللغة، وضوح الخط، علامات الترقيم.
القولة مستلهمة من رولز، جون. (1971). نظرية العدالة. ترجمة محمد علي كردي. المنظمة العربية للترجمة.