التمرين 17

السؤال

هل السعي وراء الحقيقة قيمة مطلقة يجب تحقيقها بأي ثمن، أم أن هناك سياقات قد تجعل من الجهل أو الوهم خياراً أفضل للإنسان؟

مقترح التصحيح

أولاً، الفهم (04 نقط)

تحديد مجال السؤال وموضوعه (01 ن)

يندرج السؤال ضمن مجزوءة المعرفة وتحديداً في إشكالية قيمة الحقيقة، هل الحقيقة خير مطلق يجب السعي إليه بصرف النظر عن كلفته النفسية والاجتماعية، أم أن قيمتها نسبية قد تتراجع في سياقات بعينها لصالح الوهم الذي يمنح الإنسان استقراراً لا تمنحه إياه الحقيقة القاسية؟

إبراز عناصر المفارقة أو التقابل (02 ن)

يحمل السؤال توتراً أخلاقياً ومعرفياً عميقاً، فالحقيقة غاية الفلسفة والعلم وشرط الحرية والمسؤولية، ومع ذلك قد تكون في حالات بعينها مدمِّرة نفسياً وزعزِعة للاستقرار الاجتماعي بينما يمنح الوهم أو الجهل طمأنينة ومعنى. تطلبها الفلسفة وقد يهدم الوصول إليها صاحبها، في آنٍ واحد.

صياغة الأسئلة الموجهة (01 ن)

ما الحقيقة؟ وما الوهم؟ وما القيمة المطلقة؟ وهل يمكن قياس قيمة الحقيقة بمعزل عن آثارها على الإنسان، أم أن قيمتها مشروطة بما تُنتجه من حرية وتقدم ومسؤولية حتى حين تكون مؤلمة؟

ثانياً، التحليل (05 نقط)

تحليل عناصر الإشكال وأسئلته الأساسية (02 ن)

يفترض السؤال موقفين متقابلين، الأول يُقرّ بأن الحقيقة قيمة مطلقة لا تقبل المساومة لأن السعي إليها هو جوهر الفعل الفلسفي وشرط الوجود الإنساني الواعي والمسؤول، والثاني يرى أن الحقيقة قيمة نسبية مشروطة بسياقها وأن الوهم قد يكون في حالات بعينها خياراً أرحم وأجدى للإنسان من حقيقة تُدمّر دون أن تبني.

توظيف المعرفة الفلسفية الملائمة (02 ن)

رأى أفلاطون في أسطورة الكهف أن الجهل والوهم سجن وأن الفيلسوف مُلزَم بالصعود نحو الحقيقة مهما كانت كلفته، حتى وإن أعمى النور عينيه أول وهلة. وذهب نيتشه إلى أن الإنسان يحتاج إلى أوهام بعينها لكي يستطيع العيش والخلق، فالحياة تقتضي أحياناً اختيار الوهم المُحيي على الحقيقة المُميتة. أما فرويد فكشف أن الوهم آلية دفاع نفسية ضرورية لكنها تؤجل المواجهة لا تُحلّها، وأن الصحة النفسية الحقيقية تستلزم في النهاية مواجهة الحقيقة المكبوتة.

البناء الحجاجي الفلسفي (01 ن)

يكشف التحليل أن التوتر الجوهري في هذا الإشكال ليس بين الحقيقة والوهم بل بين قيمتين إنسانيتين حقيقيتين، الحرية والمعرفة من جهة والسلامة النفسية والاستقرار من جهة أخرى. والسؤال الحقيقي ليس أيهما أفضل مطلقاً بل متى يكون كل منهما أجدى.

ثالثاً، المناقشة (05 نقط)

مناقشة الأطروحات المفترضة بالسؤال (03 ن)

يُقدّم المدافعون عن نسبية قيمة الحقيقة حججاً نفسية وانثروبولوجية، فالأساطير والمعتقدات الدينية التي أسّست الحضارات الإنسانية تتضمن أوهاماً أسهمت في بناء معنى ومنظومة قيم لا غنى عنها للحياة الاجتماعية، وأن حقائق بعينها كحتمية الموت وعبثية الوجود قد تُفضي إلى انهيار نفسي لا إلى تحرر حين تُطرح دون تحضير أو سياق.

غير أن الموقف المقابل يردّ بحجة بالغة الأهمية، فالمجتمعات التي تختار الجهل الوقائي تُصبح عُرضة للتلاعب والاستبداد الذي يُوظّف الوهم أداةً للهيمنة. وتاريخ العلم يُثبت أن مواجهة الحقائق القاسية، كروية الأرض وتطور الأنواع ولاوعي فرويد، كانت في كل مرة هي المدخل الحقيقي للتقدم الإنساني لا تدميره.

فتح إمكانات أخرى للتفكير (02 ن)

يفتح هذا الإشكال أفقاً براغماتياً مكمّلاً، إذ يرى ديوي أن الحقيقة ليست مطلقة ولا نسبية بل وظيفية، وقيمتها تُقاس بما تُتيحه من فعل فعّال وحل حقيقي للمشكلات. والوهم الذي يُؤجّل المواجهة لا يحل المشكلة بل يُعقّدها، مما يعني أن الحقيقة وإن كانت مؤلمة لحظياً تظل على المدى البعيد الأداة الأجدى.

رابعاً، التركيب (03 نقط)

أثبت التحليل والمناقشة أن الحقيقة ليست مطلقة من حيث أثرها اللحظي على الإنسان، فقد تكون مؤلمة ومزعزِعة في سياقات بعينها. غير أنها مطلقة من حيث قيمتها النهائية بوصفها شرطاً للحرية والمسؤولية والتقدم، لأن الوهم يمنح سعادة مؤقتة بينما الحقيقة وحدها تُتيح بناء مستداماً. وأرى أن قيمة الحقيقة لا تكمن في كونها دائماً مريحة بل في كونها دائماً ضرورية، والشجاعة الأخلاقية في مواجهتها هي ما يميز الوجود الإنساني الحقيقي.

الجوانب الشكلية (03 نقط)

تماسك العرض، سلامة اللغة، وضوح الخط، علامات الترقيم.