يحمل الإنسان في داخله توتراً عميقاً لا يكاد يلتفت إليه: فهو كائن طبيعي، وُلد من رحم الطبيعة، يخضع لقوانينها، يجوع ويعطش ويمرض ويموت. لكنه في الوقت ذاته كائن ثقافي، يُنتج اللغة والفن والقانون والدين والعلم، ويُحوّل الطبيعة التي أنتجته. لا حيوان آخر يفعل هذا. لا حيوان آخر يُغيّر بيئته بهذا العمق، ولا يتساءل عن معنى وجوده، ولا يدفن موتاه بطقوس.
لكن قبل أن نتقدم في الأسئلة، ينبغي أن نقف عند المفهومين الأساسيين اللذين تدور حولهما هذه المجزوءة كلها.
الطبيعة هي كل ما وُجد دون تدخل الإنسان وقبله. تشمل الكائنات الحية والجماد والظواهر المناخية وقوانين الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا. والطبيعي في الإنسان هو ما وُلد به ويشاركه فيه سائر الحيوانات: الغرائز والحاجات البيولوجية والتكوين الجسدي والموت. الطبيعة تسبق الإنسان ولا تحتاجه، وتسير وفق قوانين ثابتة لا تتغير بإرادة أحد.
الثقافة هي كل ما أنتجه الإنسان وأضافه إلى الطبيعة. تشمل اللغة والفن والدين والقانون والعلم والتقنية والعادات والتقاليد وأنماط العيش. والثقافي في الإنسان هو ما اكتسبه بالتعلم والتنشئة الاجتماعية، وما يختلف من مجتمع إلى آخر ومن عصر إلى عصر. الثقافة لا توجد إلا بوجود الإنسان وتحتاجه لتستمر.
يبدو التمييز بين المفهومين واضحاً في البداية. لكن التأمل يكشف أن الحدود بينهما ليست بهذه الحدة: هل اللغة طبيعية لأن الإنسان مُهيَّأ بيولوجياً لاكتسابها، أم ثقافية لأن كل لغة بعينها مكتسبة لا فطرية؟ هل العدوانية طبيعية لأن لها أساساً بيولوجياً، أم ثقافية لأن المجتمع يُشكّل أشكالها وحدودها؟ هذه الأسئلة لا إجابات جاهزة عنها، وهي تماماً ما تدعو هذه المجزوءة إلى التفكير فيه.
تتوزع المجزوءة على أربعة محاور. يتناول الأول الإنسان بوصفه كائناً ثقافياً وما يُميّزه عن الحيوان. ويتناول الثاني إشكالية التمييز بين الطبيعة والثقافة والتداخل بينهما. ويتناول الثالث علاقة الإنسان بالطبيعة وأشكال تحويلها. ويتناول الرابع تعدد الثقافات واختلافها وما يطرحه من أسئلة حول التعايش والكونية.